محمد متولي الشعراوي

55

تفسير الشعراوي

الرَّحِيمِ » في البسملة يختلف عنها في الفاتحة . فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى قوله تعالى : « الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » فالله محمود لذاته ومحمود لصفاته ، ومحمود لنعمه ، ومحمود لرحمته ، ومحمود لمنهجه ، ومحمود لقضائه ، اللّه محمود قبل ان يخلق من يحمده . ومن رحمة اللّه سبحانه وتعالى أنه جعل الشكر له في كلمتين اثنتين هما : الحمد لله . والعجيب أنك حين تشكر بشرا على جميل فعله تظل ساعات وساعات . . تعد كلمات الشكر والثناء ، وتحذف وتضيف وتأخذ رأى الناس . حتى تصل إلى قصيدة أو خطاب ملىء بالثناء والشكر . ولكن اللّه سبحانه وتعالى جلت قدرته وعظمته نعمه لا تعد ولا تحصى ، علمنا أن نشكره في كلمتين اثنتين هما : الحمد لله . . ولعلنا نفهم ان المبالغة في الشكر للبشر مكروهة لأنها تصيب الانسان بالغرور والنفاق وتزيد العاصي في معاصيه . . فلنقلل من الشكر والثناء للبشر . . لأننا نشكر اللّه لعظيم نعمه علينا بكلمتين هما : الحمد لله ، ومن رحمة اللّه سبحانه وتعالى أنه علمنا صيغة الحمد . فلو أنه تركها دون أن يحددها بكلمتين . . لكان من الصعب على البشر أن يجدوا الصيغة المناسبة ليحمدوا اللّه على هذا الكمال الإلهي . . فمهما أوتى الناس من بلاغة وقدرة على التعبير . فهم عاجزون عن أن يصلوا إلى صيغة الحمد التي تليق بجلال المنعم . . فكيف نحمد اللّه والعقل عاجز أن يدرك قدرته أو يحصى نعمه أو يحيط برحمته ؟ ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أعطانا صورة العجز البشرى عن حمد كمال الألوهية لله ، فقال : « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » . وكلمتا الحمد لله ، ساوى اللّه بهما بين البشر جميعا ، فلو أنه ترك الحمد بلا تحديد ، لتفاوتت درجات الحمد بين الناس بتفاوت قدراتهم على التعبير . فهذا أمي لا يقرأ ولا يكتب لا يستطيع أن يجد الكلمات التي يحمد بها اللّه . وهذا عالم له قدرة على التعبير يستطيع ان يأتي بصيغة الحمد بما أوتى من علم وبلاغة . وهكذا تتفاوت درجات البشر في الحمد . . طبقا لقدرتهم في منازل الدنيا . ولكن الحق تبارك وتعالى شاء عدله أن يسوى بين عباده جميعا في صيغة الحمد له . . فيعلمنا في أول كلماته في القرآن الكريم . . أن نقول « الْحَمْدُ لِلَّهِ » ليعطى